الجزائر في 17 مارس 2010
بيـــان لقد اطلعت بانذهال على محتوى البيان العنيف بشكل خاص، الموجه ضدي من طرف السيد رئيس المجلس الإسلامي الأعلى ردا على عنوانيّ مقاليْن صحفيّيْن أسند صاحبيْهما لشخصي تصريحات لم أدل بها وكذبتها فورا. إنني مندهشة، فباعتبار المنصب السياسي الذي يشغله السيد بوعمران، كان يتوجب عليه التأكد بدقة من صحة تلك المعلومات قبل نشر بيانه مقحما بذلك مسؤولية المؤسسة التي يمثلها في حقل مسبة غير مجدية. إن خطورة التصريحات الواردة في بيان المجلس الإسلامي الأعلى تجبرني على الإجابة دون الخروج عن إطار الأفكار أو المساس بكرامة الأشخاص. فلقد سبق وأن أوضحت بأنني لم أذكر أبدا السيد رئيس المجلس الإسلامي الأعلى والمؤسسة التي يسيرها بخصوص مسألة الحكم بالإعدام، أما عن سلفه المرحوم عبد المجيد مزيان فلقد حيّت جميع المناضلات من أجل حقوق المرأة، والتي أنا واحدة منها، وجميع الديمقراطيون موقفه التقدمي والمستنير حول قانون الأسرة الذي وفق في وصفه علنا بالقديم والمضاد للدستور. لهذا الغرض ترحمت على روحه في يوم 13 مارس، وافترضت انطلاقا من منطقي الاستنباطي، بأنه لو كان لا يزال على قيد الحياة لساهم حتما وبشكل إيجابي في النقاش الدائر حول إلغاء الحكم بالإعدام، وبما أنني لا أعتقد أن المرحوم قد عين شخصا من أجل تسليمه فكره، فلا يحق لأي كان التصرف على منوال المراقب. هكذا بسبب تعبيري عن رأي سياسي في إطار نقاش كوني حول الحكم بالإعدام، يزعم السيد بوعمران بأنني اتخذت موقفا عدوانيا ضد الإسلام، إذ يعني مثل هذا الاتهام، من المنظور السياسي، دعوة للتهجم. فليحكم كل شخص عن هذا الانحراف الذي يذكرنا بفترة عاتمة بشكل خاص، لاسيما عند صدوره عن مسؤول سياسي. في هذا السياق، هل السيد بوعمران مناصر على، سبيل المثال، لقطع الأيدي والرجم ؟ أعتقد أن ما من أحد قادر على تصور ذلك. لكن لماذا يعتبر رئيس المجلس الإسلامي الأعلى ممارسة الحكم بالإعدام خصوصية إسلامية، في حين هو موجود في الغرب، على غرار الولايات المتحدة الأمريكية التي أعدم فيها العديد من الضحايا الأبرياء، لا سيما الزنوج منهم، كما لجأ المستعمر الفرنسي إلى هذه الممارسة بشكل واسع لاغتيال المناضلين الجزائريين؟ ألا يخشى السيد بوعمران تعزيز بهذه الطريقة أولئك الذين ينسبون جميع آفات الكرة الأرضية للإسلام والتي أولها الإرهاب والمعروفين بالعدائيين للإسلام ؟ إنني أؤكد: شخصيا أنا أناضل ضد استعمال الدين لأغراض سياسية تخدم بالتحديد تبرير اضطهاد النساء واللجوء إلى ممارسة أعتبرها وحشية في جميع الأحوال وفي كل مكان والمتمثلة في الحكم بالإعدام، فلهذا السبب أنا أنتمي إلى أولئك، نساء ورجالا، الذين يناضلون في جميع القارات من أجل إنقاذ حياة الصحفي الزنجي الأمريكي موميا أبو جمال، أحد أعضاء الفهود السود الذي حكم عليه ظلما في عام 1982 بالإعدام. أود أن أطمئن السيد رئيس المجلس الإسلامي الأعلى بأن عهدتي عهدة سياسية حصريا، أحاول أن أبذل قصار جهدي لاحترامها، كما أن حججي سياسية لا غير، فذلك يملي عليّ التوجه إلى عقول النساء والرجال وليس إلى مشاعرهم الدينية ولهذا الغرض أتبنى المقولة الشعبية اليمنية (اليمن بلد مسلم) التي يمكن تلخيص جوهرها في أن "العبادة لله وحده والسياسة قضية الجميع". فأنا لا أطمع في منصب مفتي الجمهورية أو منصب رئيس المجلس الإسلامي الأعلى ولا أتدخل في شؤونهما ومهامهما. غير أنني أود أن أذكر السيد بوعمران أن المجلس الإسلامي الأعلى ليس إكلريوسا، كما أن ذلك غير موجود قط عند السنيين. فلهذا السبب لا يحق لأحد بما في ذلك رئيس المجلس الإسلامي الأعلى تنصيب نفسه موجها للضمائر وإصدار أحكام حول المسائل الشخصية جدا وعلى الأشخاص. يبدو أن السيد رئيس المجلس الإسلامي الأعلى يزعم تجاهل أن الأستاذ قسنطيني الذي أعاد فتح النقاش بشجاعة في بلدنا حول قضية الحكم بالإعدام والذي يحظى بدعم حزب العمال له في مسعاه، لم يكن يتحدث باسمه الشخصي لأن اللجنة التي يترأسها تابعة لرئاسة الجمهورية تماما كالمجلس الإسلامي الأعلى الذي لا يعتبر مجلسا مستقلا، بل أن منذ 7 سنوات أي في عام 2003 صرح رئيس الجمهورية بأنه يساند شخصيا إلغاء الحكم بالإعدام، لذا تم إثر ذلك تحضير مشروع قانون في عام 2004 كان يفترض أن يرفع للمجلس الشعبي الوطني، غير أن ظهوره قد عُطل بسبب تدخلات ما. ما رأي السيد رئيس المجلس الإسلامي الأعلى في الأمر؟ إنني أؤكد مجددا على موقفي الذي هو موقف حزبي والذي يشاركنا فيه جميع الأشخاص الذين يناضلون من أجل أنسنة القانون والذين هم كثيرون في بلدنا: لا يسع مجتمع متحضر حل مشاكله والتي من بينها الإجرام، عن طريق ممارسات تنتمي للثأر. لا يمكن لدولة عصرية اقتراف جريمة هي تسعى لمكافحتها واجتثاثها، إذ يجب أن تحل المشاكل بمعالجة جذورها عن طريق حلول سياسية واجتماعية واللجوء إلى العلم، لأن الحكم بالإعدام لم يكن أبدا العلاج المناسب لمنع انتشار الجريمة فوضع العالم يشهد على ذلك، كما لم يمنع استقلال بلدنا. وفي أسوء ظروف المأساة الوطنية، استطاعت الدولة الجزائرية، بالرغم من ضعفها، أن تتبنى قرار التأجيل المتعلق بالحكم بالإعدام من أجل تفادي بالتحديد قتل الأبرياء، إذ يرفع ذلك من شأنها. إن هذا المسعى الإدماجي يؤسس أيضا مسعى ميثاق السلم والمصالحة الوطنية، في حين أن تصريحات السيد بوعمران إقصائية ومشحونة بالعداوة، وحاملة لعلاقات نزاع. أما فيما يتعلق بقانون الأسرة الظلامي، فهو عمل نواب مجلس وطني كما تم تعديله، لذا هو إذن قانون لا يمت للقداسة بصلة، غير أنه يبقى ظالم إذ يجب إلغاءه من أجل تعويضه بقوانين مدنية مبنية على المساواة تكرس الطابع الجمهوري للدولة الجزائرية، بشكل فعلي، وفي إطار احترام المادتين 29 و 31 من الدستور. لهذا الغرض، ونظرا لاستعادة بلدنا لشروط السلم المستدام بحسم، يحذو حزبنا الطموح والعزم على المساعدة في إعادة إدراج النقاش حول مواضيع المجتمع التي صنفت في الدرجة الثانية أو طُمرت بسبب المأساة الوطنية، وقد كان استعمال الدين لأغراض سياسية أحد أسباب حدوثها. إن قانون الأسرة الاضطهادي والتمييزي والمتناقض مع كل من الدستور الجزائري وقانون الجنسية، منذ مراجعته عام 2005، والقانون الانتخابي الذين يكرسون المساواة في الحقوق، وكذا إلغاء الحكم بالإعدام، من بين المواضيع، التي نحن مقتنعون بأن مجتمعنا الذي يضمد جروحه قادر على إيجاد أجوبة لها مطابقة لتقدم الحضارة الإنسانية. نحن ندعو السيد بوعمران إلى قبول النقاش في إطار الاحترام المتبادل والهدوء وعدم اللجوء إذن إلى حجج من منطلق منصبه و التي تصب في بوتقة الشمولية. وهكذا اطلعتم على موقفي. لويزة حنون الأمينة العامة لحزب العمال |