الافتتاحية
لقد مرت خمس سنوات على مصادقة أغلبية نواب المجلس الشعبي الوطني على عقد الشراكة مع الاتحاد الأوربي في يوم 14 مارس 2005، كانت المجموعة البرلمانية لحزب العمال وحدها من صوتت ضده، بعد أن حذرت من العواقب الوخيمة التي سبق تسجيلها إثر العقد المتعلق بالإنتاج الوطني ومناصب الشغل على وجه الخصوص.
لقد كان حزب العمال لسنوات عدة الحزب الوحيد الذي ناضل ضد هذا العقد الشامل والظالم والمصحر، غير أن الوضع قد تغير بسبب قانون المالية التكميلي لسنة 2009 وأزمة النظام الرأسمالي العالمي، ففضلا عن المتعاملين العموميين والخواص الذين لم يتوقفوا عن التذمر من أثر عقد الشراكة على المنتوج الوطني، جاء الآن دور الحكومة للتفطن إلى أن هذا العقد قد خدم حصريا مصالح الطرف الأوربي في مجال المبادلات التجارية، في حين أن حرية التنقل نحو أوربا، بالنسبة للمواطنين الجزائريين، بقيت مسألة في طي النسيان، كما أن أسوء ما في الأمر يكمن في القوانين الأوربية الجديدة المتعلقة بالهجرة والتي تعتبر من أكثر القوانين تمييزا وتعبيرا عن تراجع في جميع الميادين.
في سنة 2008 جنت الشركات المتعددة الجنسية 20.5 مليار دولار كمداخيل من الصادرات الجزائرية مقابل 0.5 مليار دولار. اختفت أجزاء بأكملها من الإنتاج الوطني بالإضافة إلى عشرات آلاف مناصب الشغل، لا سيما في قطاع النسيج وقطاع المواد الغذائية.
لهذا الغرض، قدّم وزير التجارة للاتحاد الأوربي طلب مراجعة العقد خلال لقاء التقييم المقبل وإن كان قادة الاتحاد الأوربي مجبرون على قبول هذا الطلب لأنه وارد في العقد، فإنهم لا يتوقفون عن الترديد بأنه من المستحسن انتظار 5 سنوات أخرى !
لِمَ الاكتفاء بمراجعة نص شبيه بآلة كاسحة بدلا من التخلص منه ؟ لا سيما وأن للحكومة علاقات تجارية ثنائية الأطراف مع جميع البلدان الأوربية، كما أن الوفود الأجنبية تتهافت نحو الجزائر نظرا للأطماع التي تثيرها الأشغال الكبرى (150 مليار دولار) واحتياط الصرف (147 مليار دولار) في حين اشتداد الضغوطات الأجنبية الممارسة من طرف صندوق النقد الدولي والاتحاد الأوربي، ويقوم التابعون المحليون للشركات المتعددة الجنسية والمراكز الغامضة التي أزعجت مصالحها من طرف قانون المالية التكميلي وفتح ملفات الفساد، بتكوين حركة تهدف إلى إفقاد البلد استقراره عن طريق اللجوء إلى أكثر الإشاعات جنونا.
جدد كل من الوزير الأول ووزير المالية ووزير التجارة تأكيدهم للبعض والبعض الآخر، على أن الحكومة لن تتراجع قط عن إجراءات قانون المالية التكميلي لسنة 2009.
في هذا السياق، نشبت إضرابات في قطاعي الصحة والتربية الوطنية، حاملة لمطالب مشروعة لمئات آلاف الموظفين، غير أن التناقضات والتلاعبات كانت أيضا في الموعد، لا سيما في ميدان التربية الوطنية حيث نشرت العديد من نسخ نظام التعويضات مفضية الغموض عليه.
في يوم 4 مارس، نشرت وزارة التربية بيانا جنونيا يهدد بطرد المضربين المتمردين، بعد اللجوء إلى العدالة التي حكمت على الإضراب بغير القانوني بعد مرور أسبوع عن بدايته، معيدة النظر بذلك في الحق في الإضراب الذي كنا نعتقد بأنه محسوم منذ الدخول الاجتماعي لسنة 2009.
معارضة لهذا الانحراف، الذي بدأت ملامحه تتوضح جليا، والمنافي للتطورات السياسية التي طرأت منذ المصادقة على قانون المالية التكميلي لسنة 2009، قامت اللجنة المركزية لحزب العمال بتسجيل مسألة إضراب قطاع التربية كنقطة وحيدة في جدول أعمال دورتها التي انعقدت أيام 5 و 6 مارس، كما توجهت رسميا إلى الوزير الأول ليعيد تحديد إطار المفاوضات من أجل إخراج هذا القطاع خاصة والبلد عامة من هذا الانسداد (طالع معرض الصحافة).
لقد أوقف موظفو التربية إضرابهم حتى لا يتم طردهم، و في انتظار الاطلاع على الزيادات، طلبوا استئناف المفاوضات ... أما الوزير من جهته فلم يلجأ إلى يومنا هذا إلى أي طرد بسبب الإضراب.
أما فيما يتعلق بممارسي الصحة العمومية، فلقد استقبل أخيرا ممثلوهم النقابيون برئاسة الجمهورية بعد إضراب دام ثلاثة أشهر.
نحن نواجه هنا وضعا من أكثر الأوضاع مفارقة، إذ كيف يمكن تفهم أن تلجأ دولة "تقول لا" لصندوق النقد الدولي والاتحاد الأوربي والمنظمة العالمية للتجارة والقوى العظمى للدفاع عن السيادة الوطنية وتعكف على إعادة إرساء السلم عن طريق حل وطني، إلى قمع قاعدتها البشرية، أي الموظفين الذين ضمنوا استمراريتها في أسوء أوقات المأساة الوطنية ؟
من أجل إخراج الوطن من الأزمة، اتبعت الدولة مسارا داخليا من أجل وقف سفك الدماء واستتباب الأمن، دون أي تدخل أجنبي، لذا يجب إتباع هذا المنوال من أجل تسوية جميع الخلافات الاجتماعية عن طريق وسائل الديمقراطية، إذ سيعلو إثر ذلك شأن الدولة وتعزز اللحمة الوطنية.
إن ذلك شرط لجعل المسار الساري لاستعادة مكاسب السيادة الوطنية لا عكوسي.
لويزة حنون
يوم 14مارس 2010